بناء مجتمع المعرفة
https://www.al3omk.com/316852.html

بناء مجتمع المعرفة

لا يمكن وضع نموذج تنموي دون وضع رؤيا للمجتمع الذي نريده من هنا عشرين إلى ثلاثين سنة. والرؤى لا تفرض من فوق أو من طرف الخبراء. ولكنها نتيجة عملية تداولية ونقاش مجتمعي عميق يشارك فيه الجميع ويتبنى الجميع نتائجه. هذا أمر صعب في الوقت الحالي الذي يتميز بالتذمر والإحباط ولكن لا مفر من القيام بهذا التمرين والأخد بجميع الآراء وتركيبها للخروج برؤيا واضحة عن المجتمع الذي يريده المغاربة والمستقبل الذي يريدونه لأبنائهم.

من خلال النقاشات السياسية والمجتمعية يبدو أنه لن يكون هناك خلاف بأن الرؤيا سوف لن تحيد عن الصياغة التالية: “مجتمع متعلم وعادل ومنصف يعيش على اقتصاد المعرفة كأساس للشغل والعيش الكريم ويستعمل موارده بشكل مستدام ويؤمن بقيم المواطنة الحقة المبنية على حقوق وواجبات واضحة وعلى تثمين الموروث الثقافي ثثمينا سليما وصالحا، وتسوده حكامة قوامها المسؤولية والمحاسبة والشفافية.” هذه الرؤيا المستقبلية أو شيء قريب منها أساسية لكي يتبنى المغاربة خارطة طريق متفق بشأنها تشكل نبراسهم في الحاضر والمستقبل.

نموذج تنموي متجدد يتطلب كذلك تصورا محددا للتنمية الاقتصادية المنشودة. على ماذا يجب التركيز؟ ما هي القطاعات التي تخلق قيمة مضافة عالية؟ ما هي القطاعات التي تخلق الشغل؟ ما هي القطاعات ذات الصبغة الاجتماعية؟ على ماذا يجب التركيز ولماذا؟ سنركز هنا على التصنيع والتكنولوحيا واقتصاد المعرفة على أنني قد تطرقت للقضايا الأخرى والجوانب الأخرى في مقالات سابقة.

التوجه الصناعي للمغرب استراتيجي ودعم الصناعة، رغم تكلفته العالية، من شأنه أن يقوي من تنافسية العرض التصديري المغربي ويخلق قيمة مضافة ستساهم في خلق الثروة والمساهمة في نمو الاقتصاد والناتج الداخلي الخام. سوف لن تخلق الصناعة العشرات الآلاف من مناصب الشغل (نظرا للاستعمال المتزايد للآلة والربوتات والذكاء الاصطناعي في الإنتاج) ولكنها أساسية لتنويع الاقتصاد والنمو والتنافسية على المستوى الدولي. المرحلة المقبلة من التنمية الصناعية يجب أن تهتم بمسائل الذكاء الاصطناعي، والنانوتكنولوجيا، والمعطيات الضخمة، والحوسبة السحابية، والهندسة الجينية، والدرونات والربوتات والسيارات بدون سائق وغيرها… من أجل ذلك يجب العمل على تأسيس العشرات من المعاهد المتخصصة بشراكة مع القطاع الخاص والجامعات الدولية والمغربية وبدعم قوي وطويل الأمد من الدولة المغربية. هذا ما قامت به كوريا وسنغفورة ونيوزيلاندا وفنلندا وما تقوم به حاليا الإمارات وقطر والمكسيك وماليزيا وأندونيسيا وغيرها.

يجب العمل على وضع استراتيجية وطنية بعيدة المدى للعلوم والتكنولوجيا والاختراع تتضمن: دعم تدريس العلوم في المدارس والثانويات والجامعات؛ خلق نوادي العلوم والاختراع على مستوى دور الشباب ودور المواطن وجمعيات المجتمع المدني ووسائل التواصل والإعلام؛ خلق وكالة وطنية لدعم الاختراع؛ وضع مؤسسة مشتركة قطاع عام/خاص لدعم البحث والتنمية بشراكة مع الجامعات ومراكز البحث؛ وضع جوائز وطنية وجهوية ومحلية للعلوم والاختراع؛ خلق صندوق وطني لدعم الرقمنة والبحث في ميادين الذكاء الاصطناعي والعلوم المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة؛ وضع مخطط وطني لدعم براءات الاختراع على أمل الوصول إلى عشرين ألف براءة اختراع في السنة (بدل 1000 حاليا)؛ وخلق أقطاب صناعية جهوية تعتمد على البحث والاختراع والإبداع الصناعي والتكنولوجي المحلي والجهوي وإيجاد التطبيقات الصناعية وبحث إمكانية تعميمها وتسويقها.

اقتصاد المعرفة أساسي لخلق الطفرة التنموية المنشودة بقيمة مضافة ملموسة. وهذا يقتضي إنشاء 200 إلى 400 وحدة جامعية في غضون الخمسة عشر سنة المقبلة على أساس معدل ثلاثة إلى أربعة وحدات جامعية خاصة وعمومية ومختلطة على مستوى كل إقليم؛ ويجب أن تكون هذه الوحدات مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضايا البحث والتنمية في ميادين العلوم والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية وقضايا التنمية المحلية. بالإضافة إلى نوادي الفكر والعلوم والأدب والفلسفة والفن،يجب توجيه العمل الفكري والنقاش العمومي على مستوى الندوات والتكوين والتواصل وبناء الأفكار إلى الخلق والإبداع وابتكار الحلول لقضايا اقتصادية وزراعية وصناعية وفكرية وأدبية؛ هذا ما تقوم به دول كقطر والإمارات العربية والهند والفيتنام وجنوب إفريقيا والبرازيل والمكسيك الآن لردم الهوة الفكرية والرقمية والصناعية مع الدول المتقدمة. يجب أن ندخل باب عصر المعلومات من بابه الواسع ونكون أجيالا وأجيالا متدربة ولها الكفايات على استعمال فكرها وعقولها لإنتاج القيمة المضافة (بدل الاعتماد على سواعدها أو على الموارد الطبيعية).

من أجل الوصول إلى مجتمع المعرفة والاختراع من الضروري تغيير المناهج وطرق التدريس لكي لا تعتمد على الحفظ والتكرار والتقليد الأعمى وترتيل المقولات والأحاديث والتركيز بدلها على القراءة النقدية، على كفايات التحليل والتمحيص وفهم المشاكل وابتكار الحلول. هذا يقتضي ثورة تربوية عارمة يقودها الأساتذة ومخططو التربية وعلماء البيداغوجيا. وهذه الثورة لا يجب أن ننتظر بأن تحصل بين عشية وضحاها. بل هو عمل طويل الأمد. سنغفورة لم تتحولإلى نظام تربوي مبني على الإنجاز والجودة والابتكار إلا بعد ثلاثين سنة من العمل والتجريب والإصلاح.

وهذا يقتضي القضاء على الجهل والأمية في غضون العقد المقبل. يجب علينا اعتماد منهاج صارم وسرعة في التكوين على الكتابة والقراءة واعتماد قاعدة معطيات حول التوزيع السوسيولوحي والجغرافي للمستهدفين من أجل اتخاد القرارات وتركيز الاعتمادات. المنهجية المتبعة حاليا في محو الأمية بطيئة وتقليدية وغير ناجعة. بالموازاة مع توديع الأمية إلى الأبد يجب التركيز على ردم الهوة الرقمية والعلمية وهذا يقتضي تضافر جهود المدرسة والمجتمع المدني والمقاولة ووسائل الإعلام من أجل تكوين مستمر وتواصل وتبسيط للأفكار والاختراعات وتنظيمها تواصليا من أجل أن تصبح في متناول الجميع.

البنية التحتية من طرق وفضاءات للخلق والابتكار وجامعات ومناطق صناعية وشبكات الربط الصبيبية والتواصلية لا يجب أن تشكل عائقا أمام دخول المغرب عالم المعرفة والابتكار. لايجب أن نبقى إلى الأبد ننتظر توفير القاعدة “البنيحتية” للإقلاع الاقتصادي. مجتمع المعرفة لا يمكن أن يكون ومناطق لازالت معزولة ومشكل الولوج إلى الخدمات لا زال مطروحا والربط على شبكات التواصل لم يتم حله بصفة نهائية. قطع المغرب أشواطا مهمة على هذا المستوى ولكن عليه الآن أن يقطع مع الخصاص في البنية التحتية بشكل نهائي.

مجتمع المعرفة ممكن وقابل للتحقيق شريطة أن تكون لدينا العزيمة والإرادة السياسية وبعد النظر والصبر والتخطيط الاستراتيجي والقدرة على التتبع. وهذا يقتضي جيلا جديدا من رواد التنمية لهم معرفة دقيقة بالمشاكل ولكن كذلك بالحلول والقدرة على ابتكار الحلول وأخد القرارات من أجل بلوغ الأهداف. مجتمع المعرفة يعتمد على الرأسمال الفكري للمواطنين والفاعلين والمقاولات ومنظمات البحث والجامعات والطلبة وهذا يعني تحولا مجتمعيا ينبني على احترام وصقل ملكات الابداع والاختراع وتشجيعه وثورة ذهنية فيما يخص التعلم والتربية والبيداغوجيا وإعادة ترتيب الأولويات على مستوى الاستثمار في البحث والتنمية والمعاهد والجامعات. كل هذا يقتضي قفزة جبارة ونوعية إلى المستقبل. يجب تحرير التنمية من قضايا قاعدة الهرم (حسب مازلو) والدفع بها إلى أعلى إن أردنا أن نتجاوز التأخر وردم الهوة وفي نفس الوقت الاستثمار في المستقبل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.