فضل الاجتماع على نوافل الطاعات‬
https://www.al3omk.com/460003.html

فضل الاجتماع على نوافل الطاعات‬

من اهم فوائد الاجتماع على الطاعات وفضله امتثال امر الله تعالى خلقه وعباده بالتعاون على البر والتقوى وتوفير العلم لمن لا يعلم، والقدوة العملية في التزام الطاعات والبيئة الصالحة لنمو الخيرات والتنافس فيها، ونيل الثواب والاجر العظيم، قال تعالى في امر التعاون : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة من الآية:2] و”البرّ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله، وحقوق الآدميين، والتقوى في هذه الآية: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة” (تيسير الكريم الرحمن للسعدي[2/ 238]). فيشمل التعاون ما يقرب الى الله تعالى وما ينفع الخلق.‬

قال ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}: “اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضه بعضا وفيما بينهم وبين ربهم، (…) والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا، فإن العبد وحده لا يستقلُّ بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائما بعضه ببعضه معينا بعضه لبعضه” (زاد المهاجر [1/ 13]).‬

وبخصوص اثر الاجتماع والتعاون على الاستزادة من العلم ما لا يحصى من الادلة والشواهد، فالاصل في التعلم الاجتماع عليه انطلاقا من الالتفاف على معلم الناس الخير في المدارس والجوامع والبيوت وحيثما تيسر، وعلى مستوى استحضار بعض النماذج من سلفنا الصالح نذكر ما كان من بعض ذلك : ‬

فهذا عمر رضي الله عنه يقول: “كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ” (رواه البخاري [4792]). وكان عُمَر مؤاخِيًا أَوْس بْن خَوْلِيّ لا يسمع شيئًا إلا حدَّثَه ولا يسمع عُمَر شيئًا إلا حدَّثَه، وقَوله: “جِئْته بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَر ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ الْوَحْي أَوْ غَيْره) أَيْ مِنْ الْحَوَادِث الْكَائِنَة عِنْد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم”، وفِي رواية “إِذَا غَابَ وَشَهِدْت أَتَيْته بِمَا يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم”، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيِّ “يَحْضُر رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِذَا غِبْت وَأَحْضُرهُ إِذَا غَابَ وَيُخْبِرنِي وَأُخْبِرهُ”، وَفِي رِوَايَة “لا يَسْمَع شَيْئًا إِلا حَدَّثَهُ بِهِ وَلَا يَسْمَع عُمَر شَيْئًا إِلا حَدَّثَهُ بِهِ” (باختصار من فتح الباري ، كتاب النكاح).‬

وبخصوص دور الاجتماع على الطاعات في توفير القدوة واسناد الاقوال والتوجيهات والمواعظ بالافعال والممارسات نستحضر ما كان من شان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث على قيام الليل بذكر ما ورد في التنزيل في ذلك من مثل قوله تعالى:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}  [السجدة:16]وقوله سبحانه:{كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}  [الذاريات:18،17]‬
وقوله عز وجل:{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}  [الزمر:9]‬

ودعم ذلك باقواله صلى الله عليه وسلم فقال في شأن عبد الله بن عمر: « نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل»  [متفق عليه]. قال سالم بن عبد الله بن عمر: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً.‬

وقال عليه الصلاة والسلام: « في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها»  فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال:  {لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام}  [رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني].‬

ودعم ذلك بالفعل والممارسة فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟»  [متفق عليه].‬

وكان صلى الله عليه وسلم في عامة احواله يقوم الليل وحده، ويدرب غيره ويعطي القدوة في ذلك، فلما بات معه ابن عباس رضي الله عنهما وهو غلام صغير صلى معه، وليلة أخرى صلى معه حذيفة رضي الله عنه ، وليلة أخرى صلى معه ابن مسعود رضي الله عنه، وكذلك صلى عند عتبان بن مالك الأنصاري في مكان يتخذه مصلى صلى معه، وكذلك صلى بأنس وأمه واليتيم رضي الله عنهم جميعا.‬

وفعل الصحابة ذلك فهذا ابو الدرداء عندما نزل عليه سلمان الفارسي رضي الله عنهما فبات عنده فلما كان آخر الليل قال سلمان:قم الآن فصليا جميعاً ،وقد أخبرا النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهما على ذلك.(رواه البخاري) ‬

وحث النبي صلى الله عليه وسلم ان يكون هذا الاجتماع على الطاعات ديدن الاسر المسلمة فعَنْ أَبي هُريرة  ‬، قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ:  رحِمَ اللَّه رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فصلىَّ وأيْقَظَ امرأَتهُ، فإنْ أَبَتْ نَضحَ في وجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللَّهُ امَرَأَةً قَامت مِن اللَّيْلِ فَصلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فإِن أَبي نَضَحَتْ فِي وجْهِهِ الماءَ  رواهُ أَبُو داود بإِسنادِ صحيحٍ.‬

25/1184- وَعنْهُ وَعنْ أَبي سَعيدٍ رَضِي اللَّه عنهمَا، قَالا: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ:  إِذَا أَيقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّيا أَوْ صَلَّى ركْعَتَينِ جَمِيعًا، كُتِبَا في الذَّاكرِينَ وَالذَّكِراتِ  رواه أَبُو داود بإِسناد صحيحٍ.‬

فهذين الحديثين يتعلقان بقيام الليل، وقيام الليل سنة مؤكدة ومن أفضل القربات، وله شأن عظيم في صلاح القلوب واستقامة الأحوال، وتزكية النفوس والرقي في مقامات عليا عند الله تعالى، ولا بد للمؤمن من نصيب من هذه الوسيلة الفعالة في تغذية الروح ، وهكذا المؤمنة.‬

وفي هذين الحديثين يقول ﷺ: إذا قامت المرأة من الليل وصلت وأيقظت زوجها للصلاة فإن أبى نضحت في وجهه الماء، وهكذا إذا قام هو وأيقظ زوجته وصلى فإن أبت نضح في وجهها الماء، كتب الله لهما أجرا عظيما، وهذا من اعظم اسباب التعاون على البر والتقوى، و في الحديث الثاني: إذا قاما فصليا كتبا عند الله من الذاكرين الله والذاكرات،‬ وفي الحديثِ: فضلُ صَلاةِ قِيامِ اللَّيلِ للأُسرةِ جماعةً، وحثُّ الأسرةِ على أن يُنشِّطَ بعضُها بعضًا في أداءِ العِباداتِ وأعمالِ التطوُّعِ.‬ فينبغي للمؤمن أن يجتهد في قيام الليل وفي إيقاظ أهله، وهذا من التعاون على البر والتقوى ومن التعاون على الخير.‬

فابو هريرة يقسم الليل بينه وبين زوجه وخادمه، ففي صحيح البخاري (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد  الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ أنَّه (قَالَ: تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أي: نزلتُ به ضيفًا (سَبْعًا) من اللَّيالي (فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ) بُسْرة بنت غَزْوان؛ (وَخَادِمُهُ)   (يَعْتَقِبُونَ) يتناوبون (اللَّيْلَ أَثْلَاثًا يُصَلِّي هَذَا) ثلثًا (ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا) إذا فرغَ من ثلثه الآخر ليصلِّي. ‬

وقال عبدالرحمن بن زبيد بن الحارث اليامي: كان زبيدٌ قد قسم علينا الليل أثلاثًا؛ ثلثًا عليه، وثلثًا عليَّ، وثلثًا على أخي، فكان زبيد يقوم ثلثه ثم يضربني برجله، فإذا رأى مني كسلًا قال: نم يا بني فأنا أقوم عنك، ثم يجيء إلى أخي فيضربه برجله، فإذا رأى منه كسلًا قال: نم يا بني فأنا أقوم عنك، قال: فيقوم حتى يصبح.صفة الصفوة 3/ 98.‬

ويدخل كل ما سبق من الاجتماع على الطاعات ولو في بعض نوافلها في اطار توفير البيئة الصالحة فالإنسان ابن بيئتِه كما يقال، وقد اوصى الله رسولَه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا  ﴾ [الكهف: 28]؛ قال السعديُّ رحمه الله: “يأمر تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم – وغيرُه أُسوتُه في الأوامر والنواهي – أن يَصبِر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين  ﴿  الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ  ﴾ [الكهف: 28]؛ أي: أولَ النهار وآخِرَه يريدون بذلك وجهَ الله، فوصفَهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمرُ بصحبة الأخيار، ومجاهدةُ النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء؛ فإن في صحبتهم من الفوائد ما لا يُحصى.‬

﴿  وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ  ﴾ [الكهف: 28]؛ أي: لا تُجاوزهم ببصرك، وترفع عنهم نظرك؛(…) ودلت الآية على أن الذي ينبغي أن يُطاعَ ويكونَ إمامًا للناس – مَن امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مَراضيَ ربِّه، فقدَّمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصَلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما منَّ الله به عليه، فحقيقٌ بذلك أن يُتَّبع ويُجعل إمامًا، والصبر المذكور في هذه الآية هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتمُّ باقي الأقسام.  ‬

وفي الآية استحبابُ الذكر والدعاء والعبادة طرَفَي النهار؛ لأن الله مدَحهم بفعله، وكلُّ فعل مدح الله فاعلَه دلَّ ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ‬

وليس عبثا ان يدعو موسى ربه ان يسخر له اخاه هارون عليهما السلام ليكون له خير صحبة في سيره الى الله ودعوته الى سبيله، وهو من هو من اولي العزم من الرسل، ‬قال تعالى في سورة طه:  »وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29)  هَارُونَ أَخِي  (30)  اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي  (31)  وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي  (32)  كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا  (33)  وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا  (34)  إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا  (35)  «  فهذا التآزر الذي دعا  موسى ربه أن يجيبه اليه؛ ذكر نتيجته؛ وأولى ثمراته؛ وهو كثرة التسبيح لله (تعالى)؛ وذكره؛ أي: نسبحك ونقدسك تقديسا كثيرا؛ ونذكرك في أنفسنا كثيرا؛ إذ نكون قوة تجهر بتقديسك وذكرك؛ ويكون معنا من بني إسرائيل من يسبحك كثيرا؛ ويذكرك ذكرا كثيرا؛ ويشيع ذكرك في أرض الفراعنة الذين استبد بهم فرعون؛ فمنع كل الناس من أن يذكروا غير اسمه.‬

واما عن الاجور المرجوة والثواب المترتب على الاجتماع على الطاعات، فالاضافة لما ورد في ثنايا ما سبق في قيام الليل وغيره، نستحضر ما رواه مسلم عن  أبي هريرة  قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة،  ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.‬  ‬

فدلّ هذا الحديثُ على فضلِ مجالس الذكرِ، وعظيم شرفها عند الله عز وجل؛ حيث يحصل للجالسين فيها : أن الملائكة تحف بهم، وتغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده. وتغفر لهم ذنوبهم، كما في رواية اخرى في الصحيحين، أن الله يقول:  «أشهدكم أني قد غفرتُ لهم». وتشمل تلك المغفرة جميع مَن حضر المجلس حتى من لم تكن له نية، انما حضر لامر اخر يخصه، ويبدو ان هذا الموقف هو الوحيد ربما في الشرع الذي يؤجر فيه المرء من غير نية تعظيما لتكثير سواد مجالس العلم والذكر، ‬

والذكر في الاصطلاح كما قال الراغب الاصفهاني يستعمل بمعنى ذكر العبد لربه عز وجل، سواء بالإخبار المجرد عن ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، أو أحكامه أو بتلاوة كتابه، أو بمسألته ودعائه، أو بإنشاء الثناء عليه بتقديسه، وتمجيده وتوحيده وحمده وشكره، وتعظيمه،  ‬
وفي الحديث: أن ذكر الله تعالى في جماعةٍ أفضل من ذكر الله تعالى منفردًا، وذلك على ما كان عليه العمل في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم. حيث يذكر الصحابة رضي الله عنهم، اللهَ تعالى من غير أن يكون بصوتٍ واحدٍ جماعيٍّ، وإنما كلٌّ يذكر الله تعالى وحده، وهم مجتمعون، ويدخل في هذا الحديث، من يتفق بين الفينة والاخرى على عقد مجلس ذكر فيه تسبيح الله وتحميده وتكبيره من غير ان يكون بصوتٍ واحدٍ. على سبيل التشجيع والتعود، ويبدو ان الاجتماع على صوت واحد يكون في مناسبات خاصة كعشر ذي الحجة وايام التشريق دبر الصلوات، قال البخاري : كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران فيكبر الناس لتكبيرهما.

ويبقى الاصل هو الذكر الفردي ولو كانوا مجتمعين كما في دبر الصلوات العادية وكذا في الحج، كما قال أنس: فمنا الملبي ومنا المكبِّر.ولم يعب بعضنا على بعض.‬

وتعتبر مجالس القران من ارقى مجالس الذكر لما فيها من الانشغال بكلام الله تعالى : تلاوة وتدبرا وتفسيرا وتعليما وحفظا ويستحب في جميعها الاجتماع والتعاون توخيا للجودة والاتقان والاحسان، وما كان من القراءة تعبدا فما عليه جمهور العلماء اعتمادا على ما كان مشهورا عند السلف الاول هو ان يقرا الواحد ويستمع اليه، حتى يكون ادعى للتدبر والخشوع، ومن المتاخرين من اجاز القراءة الجماعية تغليبا لمصلحة انتشار القران وتسيره على الجميع، قال الونشريسي في المعيار نقلا لفتوى شيخ الجماعة بالأندلس أبي سعيد بن لب فقيه غرناطة ( ت 782 هـ) : “وسئل عن قراءة الحزب في الجماعة على العادة، هل فيه أجر مع ما نقل فيه ابن رشد من الكراهة؟ فأجاب: أما قراءة الحزب في الجماعة على العادة فلم يكرهه أحد، إلا مالكا، على عادته في إيثار الاتباع، وجمهور العلماء على جوازه واستحبابه، وقد تمسكوا في ذلك بالحديث الصحيح: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده” قال ابن لب: ثم إن العمل بذلك قد تضافر عليه أهل هذه الأمصار والأعصار، وهذه مقاصد من يقصدها فلن يخيب من أجرها: منها: تعاهد القرآن حسبما جاء فيه من الترغيب في الأحاديث. ومنها تسميع كتاب الله لمن يريد سماعه من المسلمين، إذ لا يقدر العامي على تلاوته فيجد سبيلا إلى سماعه، ومنها: التماس الفضل المذكور في الحديث، إذ لم يخصص وقتا دون وقت.(…) ثم قال ابن لب: وثمة بدع مستحسنة، لاسيما في وقت قلة الخير وأهله والكسل عن قوله وفعله، لطف الله بنا، ومن علينا بصلاح أحوالنا، بمنه وفضله” (المعيار: 1 / 155-  156)‬

ومن فضل الله على عباده وحثهم وتشجيعهم ان جعل لمجالس الذكر ملائكة خاصة بحضور هذه المجالس، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «إن لله ملائكة سيارة، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوهم يذكرون الله تعالى، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم الله ماذا وجدتم عبادي؟ قالوا: يسبحونك، ويحمدونك، ويمجدونك، ويكبرونك، فيقول: ماذا يريدون؟ فيقولون: يريدون جنتك. يقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد تحميدًا وتكبيرًا وتمجيدًا وعبادةً، فيقول: ومم يستعيذون؟ فيقول: يستعيذون من النار. فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا. فيقول: فكيف لو رأوها؟ يقولون: لكانوا أشد خوفًا وحذرًا منها.‬

والحمد لله رب العالمين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.