الإشارات السياسية في قصة موسى .. الخوف ما بين المُصلح والطاغية

07 مايو 2020 - 14:00

الحلقة 6

المنطلق قوله تعالى: “فخرج منها خائفا يترقب، قال رب نجني من القول الظالمين”.

إن الذي سبق له الوقوف على لفظة الخوف في القرآن، سيلفي أن قصة موسى عليه السلام هي التي استأثرت بالنصيب الأكبر من هذا اللفظ. فقد عبر موسى عليه السلام عن خوفه في مواضع كثيرة منها، خوفه آل فرعون:” ففرت منكم لما خفتكم” ” قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين” وخوفه من طغيان فرعون نفسه ” قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ” وخوفه من تكذيبه ” وأخاف أن يكذبون” وخوفه من العصا الحية ” فأوجس في نفسه خيفة موسى”. والخوف هو سلوك غريزي يقوم كردة فعل أو انفعال نفسي عند الإحساس بالخطر، وهو فعل أولي تتوالى بعده سلوكات مصاحبة حسب كل حال. بل إن الخوف نجده أيضا حتى عند غير موسى من الأنبياء كما في قصة يوسف و إخوته قول يعقوب عليه السلام:” فأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون”. وهو هنا لا ينافي حقيقة الإيمان ولا ينقص من حقيقته شيئا، فقد حكم الله بالإيمان على بعض من آل فرعون، مع إقراره بخوفهم من فرعون” فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم”. وإنه وإن كان الخوف ينسب غالبا إلى الغريزة وهو ردة فعل طبيعية للإحساس بالخطر، فإنه قد يتجاوز هذا الحد لتنتج عنه سلوكات مرضية تكون السلطة الأحادية، والتجبر، والعلو، والفساد؛ عوامل مباشرة في نشوئه كما سيتقدم.

“فخرج منها خائفا يترقب”

الملاحظة الأولية للفظي” خائفا” و” يترقب” نلفي أن حال الخوف جاءت على صيغة اسم الفاعل، وأن حال يترقب جاءت على صيغة الفعل المضارع بتقدير الجملة الفعلية. واللفظان دالان كلاهما على الحال والاستقبال؛ لاشتراك اسم الفاعل مع الفعل المضارع في الزمن وبه سمي مضارعا؛ أي مشابها. ومعلوم عند أهل اللغة أن المضارعة لا تعني المطابقة وإنما الشبه الكثير والاشتراك، فالفعل المضارع ضارع اسم الفاعل في الحال والاستقبال، ولكن اسم الفاعل يميل نحن الاسمية التي تكسبه شيئا من الثبوت، بينما حال واستقبال الفعل المضارع دل على الحركة والنشاط لطبيعة الفعل. وهذا من بلاغة القرآن، وكأن خوف موسى ثابت بالغريزة شبه قار، بينما الترقب حال استدعاه تآمر آل فرعون على قتله، فتكون غاية السرد على المضارعة إخراج الحدث من ثبات الماضي، ونقله للمضارعة لجعل القارئ والسامع يحس الحدث وكأنه واقع اليوم.

والترقب هو حالة غير مستقلة بذاتها، وإنما أتت بعد الخوف كردة من ردات الفعل التي تتنوع عند الإحساس بالخطر؛ إما بالركض، “فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون” وإما بالترقب، أو الهجوم، أو الصد، أو بقتل النفس، ..وهكذا”. وللقارئ الكريم أن يتصور حال موسى وهو خائف يترقب مصيره وما قد يأتيه به القدر. وهذا حال كل مصلح كلف وهم نفسه طريق الإصلاح والوقوف في وجه الظلم. فيكون من الطبيعي والواقعي أن يخاف الإنسان، ويرتاب، ويضطرب؛ فلا يبقى له إلا أن يلتجئ إلى قوى الغيب حين يضعف وتوصد في وجهه الأبواب فلا يبقى إلا باب الله مفتوحا” قال رب نجني من القوم الظالمين”، فينجيه الله ويجعل له الفرج ” فنجيناك من الغم” ” لا تخف نجوت من القوم الظالمين”.

والغم ضيق يحسه الإنسان، وكأنه غمامة سوداء تحجب عن القلب بصيرته حتى يضيق بها الصدر كربا، فلا يدري ماذا يفعل. والهم اشتغال فكر الإنسان بما فات. والحزن انشغال النفس بما سيأتي. والفتنة اسم جامع لكل بلاء عظيمن” وفتناك فتونا”. والمصلحون ليسوا في معزل عن تأثيرات الطغيان وتبعاته على أفراد مجتمع الطاغية، فإنه يصيبهم ما أصابهم إلا ما رحم الله. وخوف موسى من الطاغية ليس خوفا غريزيا فقط، يمكن فهمه هكذا من خوف موسى من القصاص، ولكن خوف موسى مرده إلى ما يُلقي به الطغيان في نفوس الناس من التعذيب والمصادرة.

فلا تكون الغاية من القتل القتل؛ أي ما سمي قصاصا أو محاكمة بجعله حياة لاستمرار الكيان” ولكم في القصاص حياة”، ولكن تبعات هذا تمتد إلى المجتمع فتخلق في نفوس الناس أسقاما وفوبيات عندما تكبر في نفوسهم أفعال الطاغية انتقاما لنفسه لا للمظلوم، فيحقق الطاغية غايتان. يقول باولو كويلو: ‘إن الخوف من الاعتقال أشد من الاعتقال. وإن الخوف من التعذيب أشد من التعذيب. وإن الخوف من القتل أشد من القتل’. وهذا مصداق قول موسى: “فأخاف أن يقتلون”. فموسى عليه السلام أصابه ما أصاب شعب الطاغية، وكان الوحي سنده ليتخلص من هذا الخوف” لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى”. إنه الخوف وظله وحاجزه، والذي لا تقوم قائمة لأي عملية إصلاحية حتى يزول هذا الظل الغمامة، وهذا الصرح الحاجز؛ ويعود الناس إلى طبيعتهم وإنسانيتهم. وهذا ما انتهى إليه موسى حيث نادى فرعون بقوله:”وإني لأظنك يا فرعون مثبورا” هكذا ناداه دون خوف بعد كسر الحاجز.

وليس الخوف خاصا بالمصلح والرعية، ولكن الخوف يمتد ليصيب عرش الطاغية كما يحكي القرآن عن فرعون: “إني أخاف أن يبدل دينكم”. وخوف الطاغية إنما هو ممزوج بالحَزن وليس بالهم، فالطاغية يصاب بالحزن؛ حزنه على مستقبله وما قد يأتي به القدر؛ فتتبدل أحوله دحورا بعد الدثور ولا يهمه ما فات. وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله:” فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا’.. وقد كان.

… يتبع

app

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على