الإشارات السياسية في قصة موسى .. القوة والأمانة في الإنسان والكيان

10 مايو 2020 - 05:13

الحلقة 8

المنطلق، قوله تعالى: “قالت إحداهما يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين”.

فلما أتم موسى عمله كما رأينا قبل؛ تولى إلى الشجرة مفتقرا إلى الله شاكيا له حاله، فجاءته إحدى البنتين تدعوه إلى أبيها ليجازيه خير ما قام به من عمل. فلما جاء موسى قص عليه قصته طمأنه بالقول: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين. وكان يقصد أن أرض مدين لا تدخل في نفوذ آل فرعون.

“قالت إحداهما يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين” . والفعل ” استأجر” ورد بصيغة الماضي، وكان يقتضي السياق أن يجيء على الاستقبال. ومعلوم عند أهل البلاغة والبيان أن ورود الفعل؛المقتضي الاستقبال؛ على صيغة الماضي يفيد اليقين بتحققه. ونجد هذا واقعا في كثير من آي القرآن الدالة على أحداث لم تقع بعد. مثال ذلك قوله تعالى :” أتى أمر الله فلا تستعجلون” وقوله:” ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض”. وتعبير البنت على حدث الاستئجار أو خبر الأمانة بالماضي تفيد اليقين بأمانة موسى، أو على الأقل اليقين بهذا الاقتران الحاصل بين القوة والأمانة المتفرسة في موسى عليه السلام.

وربما يكون هذا الاقتران، وهذا الجمع بين خصلة الأمانة وميزة القوة من خير ما قيل، وجُمع، وصك من العبارات. فعلى الأقل لن تجد صاحب مال، أو عمل، أو ولاية، ينفي هذه الحقيقة؛ فالقوة من غير أمانة لا تجعل للعمل قيمة. والأمانة مع عوز القوة لا تهب للعامل كماله. وقد يكون الأجير أمينا ولكن تنقصه القوة فيضيع القصد كما ضاع في حسرة النبي” لو أن لي بكم قوة”، وقد تجتمع القوة وتنتفي الأمانة فينتهي الأمر كما انتهى بقول القائلين” من أشد منا قوة”. وقديما انتبه الفاروق إلى هذه المفارقة فقال يشكو:’ اللهم إني أشكو إليك جَلد الفاجر وعجز الثقة’.

ولا يقوم هذا الاقتران. ولا تظهر عورة هذا الاقتران في المعاملات والعهود بين الناس فقط؛ بل يكون أبين في شؤون الحكم والسياسة؛ فالقوة بلا أمانة لا تعطينا إلا صورة مشابهة للصورة الفرعونية المقيتة؛ حيث تصريف القوة والسلطة لخدمة الأهواء والغرائز؛ فينتج ما ينتج عادة من منح القوة لغير أهل الرشد؛ فلا ينتج إلا ما ينتج عادة من انتشار التصريف غير الراشد لمفهوم القوة؛ من الإرهاب، والتنكيل، والمصادرة، والتعذيب، والقهر. ولما يتلبس الطاغية بصفات الألوهية مثل الجبر والقهر والعلو …فلا أضر على الكيان من هذا التلبس. ولا أضر على الناس من قوة بلا أمانة.

فالأمين جمع بين الحفظ وانتفاء الخوف، والأمن خلاف الخوف، والأمانة خلاف الخيانة. وعلى خلاف الكيانات التي تقوم على التخويف، فإن الكيانات الأمينة يحس فيها الناس بالأمن فتتفجر طاقتهم لخدمة الكيان وخدمة بعضهم بعضا. أما الكيانات التي لا تمتلك إلا بطشها فهي تريد إفراغ الناس من كل قدرة، ومما جبلوا عليه؛ لتستبدله بالخوف المرضي فلا يعودون قادرين على شيء.

وليس عيبا أن يتخذ الحاكم والكيان الصفات الربانية قدوة لرجاء درجة الكمال؛ والكمال لله سبحانه، فالقوة والقدرة والعلو والجبر …وغيرها من الصفات التي تظهر مذمومة عند التصاقها بالطاغية؛ بل العيب هو أن يتم الاقتصار على بعضها لخدمة الأهواء، والرغبات، أو ما يقتضيه عادة الجمع بين الهوى والانتقاء. فصفة القوة، والقدرة، والجبر، والعلم، والإرادة، كلها مطلوبة داخل الكيان حين يتم التعامل معها بما لا ينافي أمانة الاستخلاف. فالكيان السليم قائم على الترغيب والترهيب وليس فقط على الترهيب. قائم على العلو وقائم على الافتقار، كما عبر موسى بقوله:” إني لما أنزلت إلي من خير فقير”

فالكيان السقيم المتلبس بصفات الربوبية لا يرى قوة أشد من قوته ” وقالوا من أشد منا قوة”، ولا يرى علما فوق علمه” ما أريكم إلا ما أرى”، يتخبط في الغي والعي ويدعي سبيل الرشاد” وما أهديكم غلا سبيل الرشاد”.

والكيان الإسلامي والديني عموما؛ الذي هو خلاف الكيان الوضعي، يقترن اقترانا شديدا بالغيب أو القوة القاهرة ويتخذ ثلاث صورة. فالأولى صورة فرعون حيث يقوم الطاغية فيعلن نفسه إلها بالتصريح ويدعو الناس لعبادته، ويعمل على محاربة أي تصور للناس عن إله غيره. والصورة الثانية هي حين يعلن الطاغية افتقاره لله، ولكنه يتلبس بصورة الإله تضمينا؛ مثل أن يترفع عن الصفات البشرية وما تقتضيه من النقص، على خلاف الذات الإلهية الكاملة، فلا يصح نسبة الخطإ إليه، ولا يصح مساءلته عما يفعل، فهو حاكم مفوض من الله موفق.

وهناك صورة ثالثة، وهي الجامعة بين تصريف القوة بما تقتضيه الأمانة والنقص البشري. وهذه الصورة حاضرة بقوة في التداول القرآني، وحاضرة بقوة في تصورات الإسلاميين للحكم. إنها صورة مثالية؛ حيث استحضار الذات الإلهية وجعل الله شهيدا على كل فعل من أفعال الكيان؛ وهو ما عبر عنه القرآن بقوله:” يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى”

نجد هذه الصورة جلية في خطاب موسى وشعيب لما أنهى كلامه بالقول:” والله على ما نقول شهيد”. فرغم أن العهد بينهما مدني، وفيه تبادل للمنفعة، ولكن موسى أبى إلا أن يستحضر شهادة الله. وهذا ما يميز النصوص الشريعاتية من النصوص الوضعية، فالنص الشريعي مصحوب دائما بشهادة الله ووعظه. وأنا أحب أن أسميها الدولة الإيمانية؛ لأنها مشروطة بالإيمان بالقوة والرقابة الغيبية، فإذا انتفى الإيمان في متحمل المسؤولية أو ضعف فسد الكيان.وهذا ما سبق أن أشرت إليه في تفصيل نظرية الأخلاق في الإسلام، وهذا ما يفسر الفشل المستمر للكيانات الإسلامية حتى ولو كانت دينية.

app

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

كتاب “نظام التفاهة”: هكذا تنسينا الصناعات الفنية ذكرى الأزمات (الحلقة الأخيرة)

البسطيلة.. حكاية طبق مغربي خالص عمّر لأكثر من 8 قرون

تابعنا على