طبيعة ذهنية الفاعل الاجتماعي والسياسي "الأسامري" نموذجا

03 يونيو 2020 - 12:48

يدخل الحيص بيص، الذي نسمعه ونشاهده في الآونة الأخيرة داخل النقاش العمومي بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين “الأسامريين”، ضمن التشرذم الحاصل على مستوى الحركات الثقافية والسياسية المشكلة للقوى الفاعلة للجنوب الشرقي التي تعتبر الحركة الأمازيغية الجهوية مكونا من مكوناتها الأساسية. ويرجع هذا الصراع، بناء على تحليل عميق لخطابات فاعلها، إلى مشكل الذهنية، ذهنية الفاعل الاجتماعي والسياسي، التي لا يمكن منهجيا وواقعيا فصلها عن الذهنية المغربية في كليتها على أقل تقدير، لأن مظاهرها وتجلياتها نلاحظها تمتد خارج المغرب إلى مجتمعات أخرى شاركته نفس الظروف التاريخية والثقافية والتربوية … وتعبر عن نفسها بلغات مختلفة، عربية، فرنسية، أمازيغية… رغم كونها واحدة في عمقها، لأنها نتاج تنشئة اجتماعية وتربوية متشابهة، ولها طبيعة مركبة ومعقدة تتغدى من أي شيء؛ العصبية، العقل، الحداثة، الدين …بذلك تستطيع أن تعبر الزمان والتاريخ كما تعبر الحضارات والثقافات.

لكي ندقق أكثر ونتحرر من سلطة المفاهيم العامة، سنوضح قدر المستطاع مميزة من مميزات هذه الذهنية، التي أرى أنها أبرزها حيث تساهم بقسط وافر جدا في توجيه وتحديد السلوك الفردي والجماعي داخل المجتمع، وهي قدرة الفاعل داخل المجتمع على الانتقال من النقيض إلى نقيضه بانسيابية وسلسة لا مثيل لها، دون وجع ضمير ذاتي أو موضوعي، رغم ما نسمعه من تنديدات تستنكر ببعض التصريحات والسلوكات المتناقضة والمتضادة الصادرة من المسؤولين على سبيل المثال فتصفها بأوصاف مختلفة من قبيل : النفاق، الفصامية، …. فهي تبقى في حقيقة الأمر ردود أفعال سياسية وايديولوجية أو تعبير عن ضغائن نفسية، لا أساس له من حيث المبدأ الإنساني، لأنه متى سنحت الفرصة للمندد لا يتورع عن القيام بنفس الأمر. هذه الانسيابية في الانتقال من النقيض إلى نقيضه تجد أولا في ثنايا النفس ما يبرره ويمنح له حق الاصدار كفعل اجتماعي في غياب تام لشرطة الضمير، وثانيا يجد في الوسط الاجتماعي والثقافي ما يشرع وجوده واستمراره في الإنتاج، قلنا هنا الاستمرار في الانتاج لأنه يساهم في إعادة إنتاج نفس القدرة الذهنية داخل مجال العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية.

هذه القدرة الذهنية المميزة لشخصية المناضل أو المحتج داخل المجتمع، تختلف عن تلك القدرة العقلية التي هي مصدر كل تصحيح عقلي وبرهاني للخطأ أو الوهم، لو كانت كذلك لأصبحت مكونا ذهنيا صحيا يؤدي إلى الاعتراف بالخطأ أو الوهم أو الذنب .. المصاحب للرجوع إلى الصواب والحقيقة.. في هذه الحالة نقول أنها تشتغل بمنطق علمي وابستمولوجي وإنساني وهو “القابلية للتزييف” بناء على “غاية الإصلاح” التي هيمنت، ليس فقط على الخطاب السياسي، وإنما أيضا على خطاب المثقف. عكس ذلك تشتغل قدرة الانتقال الانسيابي من النقيض إلى نقيضه بناء على غايات ومصالح لحظية تختلط فيها المصلحة العامة بالمصلحة الخاصة بشكل هجين ومشوه يستعصي فك شفراتها حتى على التحليل السيكولوجي والسوسيولوجي، فقد واجه بول باسكون قبلا مشكلا منهجيا عندما شرع في دراسة المجتمع المغربي، فاضطر إلى المزج بين المنهج الانقسامي والمنهج الماركسي علا يلج كنه البنيات والعلاقات المتحكمة في المجتمع المغربي وبالتالي تبيان طبيعة الشخصية المغربية، فخرج بما يعرف في تاريخ السوسيولوجية المغربية “بنظرية المجتمع المركب”.

لقد تطبع الانسان المغربي على هذه القدرة، والتطبع habitus هنا بالمعنى الذي أورده بيير بورديو في أبحاثه وكتاباته ( كتاب إعادة الإنتاج على سبيل المثال) حيث يعتبره ذلك المجتمعي الذي يحل في الجسم عن طريق التعلم والترويض، وذلك التاريخ الذي يسكن الأشخاص في صورة نظام من الاستعدادات للقيام بممارسة معينة بتلقائية مولدة تؤكد نفسها في مواجهة مرتجلة لكل تغير للأوضاع، يولد ممارسات تتأقلم على الفور مع الحاضر. هذا التطبع تشكل لدى الإنسان المغربي عبر سيرورة تاريخية استبطن خلالها أشكالا من العنف الرمزي والضغوطات الخارجية والواقعية، دفعته إلى اعتبار الضرورة فضيلة، التي تعبر عنها وتشرعها في نفس الآن العبارة المتداولة : ” فك راسو” .

إن بنية سلوك الانسان المغربي هذه فضلا عن كونها مبررة ذاتيا واجتماعيا، أضحت حقا في نظر الفاعل الاجتماعي ، بمعنى أدخلها إلى مجال القيم الضرورية لتحقيق إنسانية الإنسان، لكي يسري عليها ما يسري على جميع القيم الحقوقية فتتبوأ بدورها مكانة فوق سلطة الثقافة والمجتمع، والأجدر من ذلك أنه يلجأ في بعض الحالات المقننة تشريعيا إلى الهروب من المحاسبة ويتحايل على مقتضياتها القانونية، ويؤمن في قرارة نفسه أن يا يفعله صواب ومستقيم لا اعوجاج فيه. هنا يطرح السؤال، وقد سابق أن طرحه محمد الكحص في برنامج “في الواجهة” القناة الثانية سنة 2000، ماذا وقع لسلطة العقل والسلطة الثقافية والسلطة البيداغوجية والتربوية حتى تشكل هذا الطبع داخل البنية الذهنية للإنسان المغربي ثم “الأسامري” بعده ؟

الجواب على هذا اإشكال يوجد بطبيعة الحال ضمن مسألة التربية والتكوين التي لازالت الدولة المغربية ترتجل في إصلاحها لأسباب متعددة لا مجال للخوض فيها الآن وفي كنف هذا المقام، سأكتفي بقول طالما رددناه في مناسبات عديدة، نحن نجني في بداية القرن 21 ثمار تضييق الدولة على العلوم الانسانية في العقود الأخيرة للقرن 20 ، وكلفة هذا التضييق باهضة جدا أكبر بكثير من كلفة ديون سياسة التقويم الهيكلي التي خانقت المغرب منذ فجر الثمانينيات من القرن الماضي.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

تابعنا على