أجيال إعلامية: المصطفى اجماهري.. صحفي خبِر العمل الإذاعي والتفلزي بين الرباط والبيضاء

أجيال إعلامية: المصطفى اجماهري.. صحفي خبِر العمل الإذاعي والتفلزي بين الرباط والبيضاء

07 أغسطس 2020 - 22:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الروبورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطيلة أشهر فصل الصيف، تسترجع معكم جريدة "العمق" من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات يومية.

الحلقة 71: المصطفى اجماهري

في سنة 1972-73 كنت تسجلت بشعبة العلوم السياسية في القسم الفرنسي بملحقة كلية الحقوق الكائنة بساحة ميرابو بالدار البيضاء القريبة من عمارة الاتحاد المغربي للشغل. وقتها لم تكن بالدار البيضاء جامعة بعد، بل كانت الملحقة المذكورة تابعة لكلية الحقوق بالرباط.

وكان في دفعتي آنذاك بعض الطلبة الذين سيتوجهون، فيما بعد، إلى مجال الكتابة والإعلام، مثل الكاتب المعروف جواد مديدش، والصحفي عبد العزيز غويبي (الذي اشتغل بعد ذلك كمراسل بليكونوميست) والصحفي قاسم كنون والكاتب الطاهر المحفوظي. لكن ظروف الدراسة آنذاك طبعتها اضطرابات مزمنة أدت، في مارس 1973، إلى حظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان ذلك ما جعلني، مع عدد من أصدقائي، أبحث عن أفق مغاير في عالم الشغل.

ولما كان لي ميل للعمل بالصحافة وأنشر محاولات أدبية بجريدة "العلم" فقد سنحت لي الفرصة لتحقيق مبتغاي حين أعلنت الإذاعة والتلفزة المغربية عن مباراة لتوظيف عشرة محررين صحفيين. كنت من بين الناجحين والتحقت بالرباط في يناير 1974.

أذكر من بين زملائي محمد الفتحوني من القنيطرة، ومحمد شوقي من مكناس. وسيلتحق بنا في مرحلة ثانية، المرحوم أحمد الزايدي، رئيس الفريق البرلماني للاتحاد الاشتراكي، ومحمد إسماعيل، المخرج السينمائي، وفاطمة مومن مديرة العلاقات الخارجية في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

استقبلنا المدير العام الطيب بلعربي بحضور مدير الإذاعة محمد بنددوش، ومدير التلفزيون أحمد اليعقوبي ورؤساء التحرير. ثم تم توزيعنا على أقسام المؤسسة، حيث عينت بقسم التحرير التلفزي. كنت أشتغل تحت إمرة سكرتيرة التحرير ليلى أبو زيد من السادسة مساء إلى الثانية عشرة ليلا.

ورغم بعض المشاكل المادية، فإن العمل الصحفي كان شيقا على الأعم. وكان الأجمل منه أن أراني، أنا الشاب القادم من ضاحية الجديدة، مجاورا في قاعة التحرير لصحفيين من طراز رفيع من أمثال علي حسن، والطيب الإدريسي، ولطيفة القاضي، وبديعة ريان، والطاهر بلعربي الذي كان الزملاء يطلقون عليه "فيتنام" لأنه اختص في تقديم أخبارها.

كنت أحرص على ألا أتأخر عن موعد العمل دقيقة واحدة، إلى حد أن محمد واكريم، سكرتير التحرير، المحب للدعابة، قال للصحفيين بلكنة أهل سوس، ذات مرة، وأنا ألج قاعة التحرير: "هذا المصطفى كساعة بيغ بين، عليه أضبط ساعتي، فما أن يقف أمامي حتى تكون السادسة قد حلت بالتمام".

وكما يحدث في غالبية المؤسسات العمومية فإن المشكل المهني الذي عشناه كصحفيين جدد بالمقر المركزي هو "قلة الشغل"، لأن القدماء كانوا يقومون، تقريبا، بكل شيء. وبعد قضاء سنتين تقريبا في قسم التحرير بالرباط حدثت بعض التغييرات في صفوفنا، استقال زميلان لأنهما كانا على وشك التخرج من الجامعة ويطمحان في وضعية أفضل. ثم ما لبث الزميل محمد شوقي أن التحق بمدرسة تكوين الأطر، وتلاه في وقت لاحق الزميل محمد الفتحوني الذي التحق بالتعليم الجامعي.

في تلك الأثناء، انتقل إلى مصلحتنا في الرباط الصحفي محمد ذو الرشاد من إذاعة عين الشق، مما أحدث فراغا بالطاقم الصحفي الصغير لمحطة الدار البيضاء. وهو ما شجعني على طلب انتقالي إليها. حذرني زملائي بأن الإذاعات الجهوية هي بمثابة منافي للصحفي الشاب، وأن الترقية فيها تكون شبه منعدمة لكني أفهمتهم بأن ما بالأمر حيلة لأن غايتي كانت الاقتراب من عائلتي بالجديدة.

كانت إذاعة عين الشق بناية ضخمة ذات معمار كولونيالي، تعود لفترة الحماية ومنها انطلقت إذاعة راديو ماروك. بناية تضم مكاتب واستوديوهات وجناحا للمركز السينمائي المغربي تحت إدارة محمد الزياني. وكنت حينما أجيء للعمل على دراجتي النارية تبدو لي البناية من بعيد، أي من المرتفع الكائن مباشرة بعد صهريج الماء الموجود بطريق مديونة، شامخة وحدها في الخلاء.

استقبلني محمد الماجدولي، المندوب الجهوي ومدير المحطة، بمكتبه الواسع فمر بيننا خيط التفاهم بسرعة. قدرت فيه عطفه على صحفي مبتدئ مثلي. كان الماجدولي الذي خبر العمل الإذاعي طويلا، اسما معروفا في الساحة الإعلامية وصحفيا متمرسا في التحرير والروبورتاج وإعداد البرامج وتقديمها. تحمل المسؤولية على صعيد المقر المركزي وكذا بالمحطات الجهوية، فضلا عن توفره على صوت إذاعي جميل.

كل هذه الصفات جعلت الماجدولي شخصية محترمة في محطة عين الشق، وهو من علمني كثيرا من أسرار المهنة وخاصة العمل الميداني. فإذا كان عملي بالتحرير المركزي بالرباط انحصر خاصة في ترجمة البرقيات الإخبارية من الفرنسية إلى العربية، فإنني بعين الشق وجدت ورشا شاسعا.

فكنت أشتغل يوميا تقريبا في الروبورتاج الخارجي الذي غالبا ما يمتد خارج التوقيت العادي. كما كنت أعد نشرة خاصة بالدار البيضاء تذاع بعد الظهر من طرف المذيعة آسية فردوس، إلى جانب اشتغالي مع المخرج مصطفى الخياط في إعداد البرنامج التلفزي "الدار البيضاء في أسبوع" تحت إشراف محمد الماجدولي. وكان هذا الأخير أول من أدخل أخبار البورصة إلى النشرة الجهوية.

وخلال عملي بإذاعة عين الشق، تعرفت على عدد من العاملين في الحقل الصحفي. أذكر من بينهم مثلا حسن العلوي قاسمي من لومتان، والمصور أحمد كنز، وعبد لله العمراني رئيس مكتب لاماب ومعه عبد العزيز غويبي، زميلي بكلية الحقوق، وأحمد بنسنة من جريدة العلم، والمرحومة عائشة مكي، صحفية سابقة بالإذاعة، والمشهورة بصفحتها الأسبوعية "مجتمع وعدالة" في لوبنيون.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام”، وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيداني

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

“المياه والغابات” تباشر عملية تسوية ملفات التحديد الغابوي بتيزنيت

اعتقال شاب وجه طعنات قاتلة لآخر وأرداه قتيلا بأحد أحياء فاس

نشر خبر زائف على “فايسبوك” حول اختفاء طفلة يقود شابا للقضاء بطنجة

تابعنا على