الجهوية والتعقد الترابي.. حالة جهة بني ملال-خنيفرة

الجهوية والتعقد الترابي.. حالة جهة بني ملال-خنيفرة

07 أغسطس 2020 - 17:57

عرف المجال المغربي مجموعة من التقسيمات الترابية، كان الهدف منها بلورة أسلوب تنموي يمكن من تحقيق تنمية حقيقية على المستوى المحلي، الجهوي والوطني. غير أن سياسة التقسيمات هذه لم تستطع تحقيق النموذج التنموي المنشود، بسبب تعدد المعايير والأبعاد. وهو ما دفع الفاعلين في السياسات العمومية تبعا للتعليمات الملكية الرشيدة إلى التفكير في نموذج جديد قد يساهم في خلق الإقلاع التنموي الذي تتجسد بعض ملامحه في الجهوية المتقدمة.

وفي هذا الإطار، فموضوع الجهوية المتقدمة استقطب ومازال اهتمام مجموعة من الباحثين، الأكاديميين، السلطات، والفعاليات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية؛ وذلك لكون الجهة أصبحت بمثابة خيار استراتيجي لمعالجة اشكاليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر إطار ترابي ملائم يقوم على تعبئة الموارد والفاعلين من أجل ترسيخ الديمقراطية وتطوير البناء الجهوي.

لكن هذا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات الوجيهة حول التجربة الجهوية الجديدة، التي راكمت اليوم أكثر من تسع سنوات، وهي ملاحظات سترتبط أساسا بالجهة رقم 5.

ضعف التجانس الطبيعي والبشري: حيث تتسم الجهة الجديدة لبني ملال-خنيفرة بعدم التجانس الطبيعي، إذ تتشكل من ثلاث وحدات تضاريسية (وحدة جبلية في الجنوب يتصل فيها الأطلس الكبير مع الأطلس المتوسط، وحدة سهلية في الوسط والمرتبطة بسهل تادلة، وكذا وحدة هضبية في الشمال والمتمثلة في هضبة الفوسفاط).

لكن قد تكون هذه الوحدات متكاملة في إمكانياتها وثرواتها؛ فالمناطق الجبلية اليوم، باتت تعرف دينامية على مستوى تثمين الموارد الترابية (les ressources territoriales)، هذا بالإضافة إلى ما يوفره سهل تادلة من إمكانيات على مستوى الفلاحة المسقية، دون أن ننسى ما يميز هضبة الفوسفاط من موارد معدنية (الفوسفاط أساسا) وكذا رعوية هامة.

ومن البديهي أن يفرز لنا هذا الاختلاف الطبيعي، لا تجانسا على المستوى البشري؛ فإذا تأملنا جيدا توزيع السكان حسب الوسطين الحضري والقروي، سنجده غير متكافئ داخل الأقاليم الترابية للجهة، إذ ترتفع نسبة الساكنة الحضرية بإقليم خريبكة، بل تعد الأولى داخل الجهة. فيما ترتفع نسبة الساكنة القروية داخل إقليم ازيلال (حسب إحصاء 2014).

غموض معيار القطبية الحضرية: وتتجلى هذه الملاحظة في كون هذه الجهة يغلب فيها معيار الاستقطاب الحضري، وهذا يطرح تساؤلات في شأن طبيعة الاستقطاب، فإل حدود ايوم لا يبدو أن لبني ملال مجال استقطابها ولخنيفرة أيضا، كما لا يظهر أن هاتين المدينتين تشكلان شبكة مترابطة ومتراتبة داخل الجهة؟ فمن المعروف أن مجالاتهما الاستقطابية غير مترابطة بما فيه الكفاية، سيما وأننا لا نتحدث عن مدينة قطبية من حجم الدار البيضاء التي تهيمن على مجال شاسع قد يمتد إلى جهة بني ملال-خنيفرة نفسها، وهو الأمر الذي قد يشكل تحديا أمام توطين بعض المشاريع المهيكلة داخل أقاليم الجهة (ككلية الطب والمستشفى الجامعي...)؛ على اعتبار ان الجهة يجب أن تتوفر على مدينة كبيرة قادرة على تقديم الخدمات للجميع.

الطبونيميا الجهوية وتكسير الطابع التاريخي: إذ يلاحظ أن التقسيم الجهوي الجديد قام بتكسير الطابع التاريخي والهوياتي لتسميات بعض المناطق المنتمية للجهة، كمنطقتي ورديغة وتادلة، في المقابل تمت تسمية الجهة بناء على المدن المستقطبة داخلها، وإذا سلمنا بكون بني ملال مدينة مستقطبة، فهل مدينة خنيفرة مستقطبة أكثر من مدينة خريبكة؟

والسؤال الذي يفرض نفسه، لماذا لم يراع في تسمية الجهة عنصرا مهما يمكن أن يلعب دورا محوريا في التسويق الترابي للجهة؟ نتحدث هنا عن اسم هضبة الفوسفاط، ليتحول اسم الجهة من بني ملال-خنيفرة إلى جهة بني ملال-خنيفرة-هضبة الفوسفاط.

إن تتبع تجربة المغرب في مجال السياسة الجهوية، ولا سيما الجهوية المتقدمة، تجعل الباحثين المتعمقين والسياسيين المحنكين، وكل الفاعلين يجدون أنفسهم أمام حالة معقدة قد تحتاج إلى المزيد من الوقت ومن الجهد للإمام بها؛ على اعتبار أن المغرب ذو تركيبة جغرافية واجتماعية فسيفسائية يتداخل فيها ما هو حضري مع ما هو قروي من جهة، وما هو إسلامي عربي-أمازيغي وإفريقي بما هو غربي، الشيء الذي يجعل مسألة تشكيل أو إعادة تشكيل الجهات الترابية و تحقيق التوازن فيما بينها مع الأخذ بعين الاعتبار كل هذه العناصر، مسألة غاية في الصعوبة والتعقد.

* دكتور في الجغرافيا البشرية

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

العبادي منذ شهر

لقد وضعتم الدكتور نبيل الأصبع على الورم الذي أصاب الجهوية والتعاقد الترابي لجهة بني ملال خريبكة، وكان هذا الاسم هو الاصح عوض بني ملال خنيفرة،، على اعتبار ثقل الاولى الفلاحي والحضري وثقل الثانية المعدني والحضري، بل أن مدينة خريبكة تتجاوز مدينة بني ملال سكانا، فأين كان منتخبي المدينة والاقليم عندما كانت معالم التشكل الجهوي تدار في الكواليس وفي المجالس؟؟؟؟؟؟؟

مقالات ذات صلة

هل يطبع المغرب؟

من إعلام الديماغوجية.. إلى إعلام البيداغوجية

هل تنقصهم الشجاعة أم تنقصهم الوطنية !

تابعنا على